الحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا ، والصلاة والسلام على من بعثه ربه هاديا ومبشرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ، وعلى آله وصحبه ، عد..
فالكل يعرف جهود الأستاذ جمال البنا بين طبقة العمال وجهوده في مجال العمل النقابي والعمالي الذي ظل محور مشروعه الفكري ما يقرب من نصف قرن، ولكن الذي لا أعرفه هو ما علاقة جمال البنا بالفقه حتى يكون أهلا للحديث عن تجديده.!
ونفس الكلام يمكن ان ينطبق على من يحملون هذا الفكر العقلاني ويكتبون في الصحف والمنتديات جهودهم معروفة في مجال الدعوة والصحافة لاتنكروكذلك في مجال العمل النقابي والعمالي ولكن الذي لانعرفه بل ونجهله هو ماعلاقتهم بالفقه حتى يطالعوننا بين فينة واخرى بمسائل فقهية لم يحدث فيها اختلاف من لدن عهد الرسالة حتى الان ثم يحاولوا ان يسلطوا جام غضبهم ونقمتهم على تاريخ الامة وتراثها الفكري والمعلوماتي ويصفونه بانه العفن الذي تعفن وذهب وقته ولعله من اهم مادعاني ان اضع هذا المقال بين ايديكم هو المقال الذي شدني في احدى الصحف اليمنية والتي تصدر بمدينة الحديدة وهي صحيفة امواج بعنوان ليس ليبرالية اسلامية ولكنها دعوة الى الرشد
ولا أعلم متى سيكف الرجل وأمثاله عن هذه المفاجآت التي يطل بها هو او غيره علينا بين الفينة والأخرى والتي لا نرى لها أثرا على الساحة الفقهية والفكرية سوى بلبلة العامة في قضايا ومسائل لم تكن يوما مجالا للاختلاف.
وآخر ما فاجأنا به الأستاذ جمال البنا ومن يتبع فكره هو ما ذهب إليه "أن السجائر لا تفطر الصائم" ، ولم أستغرب ما قاله الرجل فما قاله ليس بأشد ضراوة ومرارة مما صدر عنه من ذي قبل ، فتاريخ الرجل حافل بالمفاجآت وأسوق طرفا من آرائه من ذلك:
1- أنه قال ليس في القرآن والسنة أمر بالحجاب ، وأن شعر المرأة ليس بعورة.
2- ينفي وجوب تعديل الصحابة إلزاما كما استقر المنهج عند أهل السنة والجماعة، ويري أنهم قد يكذبون في الحديث .
3- يستبعد الإجماع –الذي هو دليل من أدلة الأحكام المعتبرة عند أهل السنة والجماعة- ويراه خرافة لا يمكن أن تتحقق.
4- يرفض ما اصطلح على تسميته بعلوم القرآن جملة وتفصيلا؛ وهي العلوم التي استقر علماء السلف على اعتمادها كقواعد وآليات لفهم النص القرآني.
5- لا يقع طلاق الرجل منفردا بدون موافقة زوجته.
6- الزواج عقد رضائي من الدرجة الأولى، لا يحتاج إلى شهود ولا مهر ولا ولي.
7- المرأة الأكثر علما تؤم الرجال في الصلاة .
8- يرفض أي دور للدين في الدولة التي يجب أن تستبعد الدين تماما من النظام السياسي.
9_مسألة امامة المرأة للصلاة ومسألة ان صوت المرأة ليس بعورة وبالتالي يجوز استبدال الفن العفن بالفن الاسلامي الذي تقوم به النساء لاغارض خيرية ودعوية كالجهاد وغيره .
وما أشرت إليه هو غيض من فيض من الآراء أضافة الى اراء حسن الترابي التي لفظها اهل السنة والجماعة وناقشوها في اكثر من مؤتمر ولقاء ولعل التيار العقلاني او من يظنون انفسهم دعاة للتيار الليبرالي توهماً عند كثير من الكتاب والبعض من الملتزمين تأثر من قريب او من بعيد بأفكار هذين الرجلين والله المستعان وهذه الاراء خالف فيها جمال البنا جموع الأمة من لدن رسول الله –صلى الله عليه وسلم إلى عصرنا هذا ، ولكن إذا كان ثمة لوم أو عتاب فأرى أنه يجب أن يوجه إلى العلماء ؛
لأنه إذا كانت الأنظمة قد فشلت أن توجد سياجا منيعا يحول دون الجرأة على الفتيا والنيل من دين الله عز وجل ، فكان لزاما على العلماء ألا يتخاذلوا عن القيام بهذا الواجب ؛ لأنه إذا كان من يتجرأ على الفتيا سيعلم أنه سيناقش وسيبين ضلاله وزيغه ، يقينا سيفكر ألف مرة قبل أن تفتح له الفضائيات والصحف أبوابها بل الغريب ان بعضاً من الملتزمين بدأ يستسيغ هذه الافكار العقلانية والمتنافية مع منهج أهل السنة والجماعة.
ورغم كل ما سبق فإن ما أفزعني حقا ودعاني للقيام بكتابة هذا المقال أنه قد بدأنا نرى من يظهر في القنوات التلفزيونية الحكومية وغير الحكومية والصحف اليمنية الداخلية والحزبية المحسوبة على بعض التيارات وينشر مثل هذه الأفكار مدعيا أنه يستند في ذلك إلى مفكر إسلامي مستنير هو الأستاذ جمال البنا. أو الاستاذ حسن الترابي او غيره من الاعلام ممن لااريد ان اذكر اسماؤهم بل بعض المنظوين تحت راية الحركة الاسلامية الذين انخدعوا باسم الرجل المرتبط بمؤسس الاخوان المسلمين الامام الشهيد حسن البنا
وعلى هذا فإنني – كما قدمت – سأعمد مباشرة إلى مناقشة ما يمكن تسميته بالمنظومة الفكرية للأستاذ البنا والذين يدورون حول هذا الفلك لنرى ماذا بها من صفة الإسلامية لأن فكر الرجل إذا كان في حقيقته مجردا من تلك الصفة لم تعد هناك أهمية كبيرة لمناقشة كل تلك الأفكار التي يطلقها فهو لن يعدو حين ذاك سوى مجرد واحد من الكتاب العقلانيين الليبراليين المنتشرين في البلاد.
المرجعية الإسلامية وموقفه من السنة النبوية
المرجعية الإسلامية الملزمة حقا – كما يحددها الأستاذ جمال البنا – "القرآن الكريم والصحيح المنضبط من السنة النبوية أما أحكام الفقهاء وأئمة المذاهب والصحابة إلخ.. فلا تعد ملزمة" (ما هي المرجعية الإسلامية الملزمة: القاهرة 15/8/2000). وهكذا جاءت الأجزاء الثلاثة لكتابه الأساسي في هذا الموضوع (الفقه الجديد) على هذا النحو (فهم الخطاب القرآني – السنة النبوية – أصول الفقه التقليدي وأصول الفقه الجديد) ولكننا بخلاف هذا الترتيب سنبدأ بمناقشة مفهومه للسنة النبوية أولا لأن ذلك بحسب تصوري هو المدخل الحقيقي لفهم فكر جمال البنا.
يذهب الأستاذ جمال البنا إلى رفض منهج العلماء في إثبات صحة الأحاديث النبوية ويستند على ذلك على ذلك إلى عدة أشياء أهمها:
إن هناك اختلافا بين العلماء أنفسهم على الأحاديث التي تنطبق عليها صفة الحديث الصحيح. فكما ينقل البنا عن الإمام الحاكم فإن "عدد من خرج لهم البخاري في الجامع الصحيح ولم يخرج لهم مسلم أربعمائة وأربعة وثلاثون شيخا وعدد من احتج بهم مسلم في المسند الصحيح ولم يحتج بهم البخاري في الجامع الصحيح ستمائة وخمسة وعشرون شيخا" ويضيف إلينا إلى ذلك في كتابه (السنة) "أن هناك اختلافا في تحديد مضمون كلمة ثقة من بعض المحدثين والبعض الآخر كما يظهر من قبول
البخاري لمن رفضه مسلم والعكس بالعكس".
وظاهر الخلاف هنا يبدو وكأنه يدور حول الصحة والضعف. ولكن الحقيقة هي أنه يدور حول الصحة وزيادة التوثيق من هذه الصحة. فقد اشترط البخاري في رجال صحيحة العدالة الضبط واللقيا بينما اشترط مسلم العدالة والضبط والمعاصرة. ومعنى ذلك أن مسلم كان يكتفي لصدق الحديث معاصرة الشيخ للشيخ الذي يروى
عنه بينما البخاري لا يكتفي بذلك بل يشترط التحقق من التقاء الشيخ بالشيخ الذي يروي عنه. فالمسألة تعني الزيادة في التأكد عند البخاري دون أن تعني ضعف منهج مسلم في تحقق الصحة.
أما حكاية اختلاف الثقة في الشيوخ بين إمام وآخر، فهذا يتعلق بمدى تحقق كل إمام من ثقة الشيخ المروي عنه بحسب درجة تحفظه في مدى توفر تلك الثقة والتي كانت تبلغ درجة من التشدد في التحفظ عند البعض لا يعيب البعض الآخر أن يتخفف منها. فقد كان يسقط الكثير من الأئمة الثقة عن بعض الرواة لمجرد أنه يأكل في الأسواق أو يصيح فيها. وللزهري (إبراهيم بن سعد) الذي ولي قضاء بغداد واتفق الكثير من الرواة على عدالته (وهو غير الزهري التابعي الشهير) قصة لها أهميتها الخاصة حيث يروي عنه الإمام ابن القيسراني في كتابه السماع. أنه كان يفتي بتحليل الغناء (وهو أمر يتفق معه فيه أئمة آخرون كابن حزم والغزالي بعكس ما يعتقد البعض من الاتفاق على تحريمه) وأتاه بعض أصحاب الحديث ليسمع منه فسمعه يتغنى فقال: لقد كنت حريصا على أن أسمع منك فأما الآن فلا سمعت منك حديثا أبدا. قال إذن لا أفقد إلا شخصك. أ.ه. ولا نعتقد أن من يترك على سبيل المثال تلك
الدرجة من التحفظ في أخذ الأحاديث يكون في حديثه ضعف بسبب ذلك.
ويستدل البنا على موقفه أيضا في رفض منهج العلماء في إثبات صحة الحديث بما
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |